اسماعيل بن محمد القونوي

478

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 7 ] الآية لكن هذا لا يلائم قوله إني استغفر اللّه الحديث ولذا مرضه وأيضا لا يلائم قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنه كان عليه السّلام يكثر قبل موته أن يقول « سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك » على الامتثال بالأوامر المذكورة والتوبة لقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ النصر : 3 ] فإنه ترغيب للتوبة وإن لم يكن أمرا إذا الظاهر أن الأوامر المذكورة للندب . قوله : ( وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار ) قيل وهو على الوجوه كلها في تفسير سبح واستغفر وقيل على الوجهين الأخيرين بل على الأخير فإنه أظهر فحينئذ وجه تقديم التسبيح لا يكون تاما بل الظاهر أن يكون على الوجوه كلها وإن كان في بعضها أظهر من بعض آخر ووجه تقديم التسبيح على الحمد لأن التحلية بعد التخلية . قوله : ( على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق ) فإن التسبيح ملابسا بحمده توجه لكمال الخالق وتعبد له وتلذذ بذكره والاستغفار توجه لحال العبد وتقصيره وتدارك لما فاته ولو عكس على طريق الترقي لكان له وجه لكن ما اختير في النظم أنسب بحال العارفين . قوله : ( كما قيل ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه تعالى قبله ) الرؤية بمعنى العلم أو الإبصار بآثار قدرته والمراد قبلية ذاتية أو زمانية وهذا حال العارفين فإن الموجودات كالمرآة لتجليه وهو يشاهده أولا وبالذات ثم يرى المرآة ثانيا وبالعرض وقد يعكس بأن يرى المرآة أولا ويشاهده ثانيا كمن قصد بيع المرآة فإنه يرى المرآة أولا ولذا قيل ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه بعده أو معه إذ مراتب العرفان متفاوتة وكل اناء يترشح بما فيه فمن كان أعلى مرتبة في العرفان رأى اللّه تعالى قبل كل شيء وهكذا في البعدية والمعية . قوله : ( لمن استغفره ) فيه تنبيه على أنه تعليل بالأمر بالاستغفار بالتأويل أي واستغفره والاستغفار المقارن للتوبة والندم والعزم على أن لا يعود نافع ومنج لأنه تعالى تواب أي قبل التوبة مبالغة والاستغفار الغير المقارن للتوبة يحتاج إلى الاستغفار كما نقل عن الرابعة أن استغفارنا يحتاج إلى استغفار فلا جرم أن المراد به الاستغفار المقرون بالتوبة . قوله : ( مذ خلق المكلفين ) وهو الجن والإنس وأولهم الجن قيل إنه رد لقوله في التأويلات معناه كان ولم يزل توابا لا أنه تواب بأمر اكتسبه وأحدثه على ما يقوله المعتزلة من أنه صار توابا إذا أذنب الخلق فتابوا فقبل توبتهم وأما قبل ذلك فلم يكن توابا ووجه الرد أن قبول التوبة من الصفات الإضافية ولا نزاع في حدوثها والظاهر أن مراد الشيخ أبي منصور الماتريدي أنه تعالى حكم قبول التوبة في الأزل لكن قبوله لا في الأزل بل فيما لا يزال أي حكم في الأزل بأنه إذا أذنب المكلف ثم تاب قبوله فيما لا يزال نظيره أنه تعالى قوله : مذ خلق المكلفين هذا المعنى مستفاد من لفظ كان في كانَ تَوَّاباً [ النصر : 3 ] لأنه متوغل في معنى المضي تمت السورة الحمد للّه على الافتتاح والاختتام وعلى رسوله أفضل التحية والسّلام اللهم بحبل توفيقك اعتصم ومن فيض نورك استفيض .